فصل: قال ابن عطية:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.المسألة الثالثة: [في سلب القتيل]:

قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَأَصْحَابُ مَالِكٍ: قَالَ مَالِكٌ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَمْ يَكُنْ لَهُ سَلْبُهُ إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ الْإِمَامِ إلَّا عَلَى وَجْهِ الِاجْتِهَادِ، وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفَلَ فِي مَغَازِيهِ كُلِّهَا.
وَقَدْ بَلَغَنَا أَنَّهُ نَفَلَ فِي بَعْضِهَا يَوْمَ حُنَيْنٍ، وَلَمْ يَبْلُغْنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلْبُهُ، إلَّا يَوْمَ حُنَيْنٍ».
وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا سَبَقَ أَنَّ نَفْلَ الْأَسْلَابِ وَغَيْرَ ذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ مِنْ الْخُمُسِ، لَا مِنْ رَأْسِ الْمَالِ.
وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْخُمُسَ يَجُوزُ أَنْ يُعْطَى لِلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ بِرَأْيِ الْإِمَامِ فِي ذَلِكَ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. اهـ.

.قال السمرقندي:

قوله تعالى: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ الله في مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ}.
يعني: نصركم الله في مواطن كثيرة وهو يوم بدر، ويوم بني قريظة، ويوم خيبر، ويوم فتح مكة، وخاصة يَوْمَ حُنَيْنٍ.
{إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ}، يعني: جماعتكم، {فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا}؛ يعني: عن قضاء الله تعالى كثرتكم شيئًا.
وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى حنين في اثني عشر ألفًا، وعشرة آلاف التي خرجت معه من المدينة إلى فتح مكة، وخرج معه ألفان من أهل مكة، فقال رجل من المسلمين يقال له سلمة بن سلام: لن نغلب اليوم من قلة.
وقد كان فتح مكة في شهر رمضان، وبقيت عليه أيام من رمضان، فمكث حتى دخل شوال.
فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلًا من بني سليم عينًا له يقال له عبد الله بن أبي حدرد، فأتى حنينًا وكان بينهم يسمع أخبارهم، فسمع من مالك بن عوف أمير القوم يقول لأصحابه: أنتم اليوم أربعة آلاف رجل، فإذا لقيتم العدو فاحملوا عليهم حملة رجل واحد، واكسروا جفون سيوفكم فوالله لا تضربون بأربعة آلاف سيف شيئًا إلا أفرج لكم.
وكان مالك بن عوف على هوازن، فأقبل ابن أبي حدرد حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبره بمقالتهم، فقال رجل من المسلمين: فوالله يا رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نغلب اليوم من كثرة.
فساء رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمته، وابتلى الله المؤمنين بكلمته تلك.
قال الفقيه: حدثنا أبو جعفر قال: حدثنا الفقيه، علي بن أحمد الفارسي قال: حدثنا نصير بن يحيى قال: حدثنا أبو سليمان قال: حدثنا الفقيه، محمد بن الحسن، عن مجمع بن يعقوب، عن إسحاق بن عبد الله، عن أبي طلحة قال: سمعت أنس بن مالك يقول: لما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى وادي حنين، وهو وادي من أودية تهامة له مضايق وشعاب، فاستقبلنا من هوازن جيش لا والله ما رأيت مثله في ذلك الزمان قط من السواد والكثرة.
وقد ساقوا أموالهم ونساءهم وأبناءهم وراءهم، ثم صفوا فحملوا النساء فوق الإبل وراء صفوف الرجال، ثم جاءوا بالإبل والغنم وراء ذلك، لكيلا يفروا بزعمهم.
فلما رأينا ذلك السواد، حسبناهم رجالًا كلهم.
فلما انحدرنا والوادي، وهو وادي حدور، فبيَّنا نحن فيه إنَّ شعرنا، أي ما شعرنا إلا بالكتائب قد خرجت علينا من مضايق الوادي وشعبه، فحملوا علينا حملة رجل واحد.
وقد كانت قريش بمكة طلبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرجوا معه إلى حنين، فلم يقل لهم لا ولا نعم، فخرجوا وكانوا هم أول من انهزم من الناس قال أنس: فولوا دبرهم وأتبعهم الناس منهزمين ما يلوون على شيء.
فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ يقول، والتفت عن يمينه وعن يساره: «يَا أَنْصَارَ الله وَأَنْصَارَ رَسُولِهِ، أَنَا عَبْدُ الله وَرَسُولُهُ صَابِرٌ اليَوْمَ»، ثم تقدم بحربته.
أما الناس، فوالذي بعثه بالحق ما ضربنا بسيف ولا طعنا برمح، حتى هزم الله تعالى.
ثم رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المعسكر، وأمر بطلبهم وأن يقتل كل من قدر عليه منهم.
وجعلت هوازن تولي وثاب من انهزم من المسلمين.
قال الراوي: فقالت أم سليم، وكانت يومئذ تقاتل شادة على بطنها بثوب تقول: أرأيت يا رسول الله الذين أسلموا وفروا عنك وخذلوك، لا تعف عنهم إن أمكنك الله تعالى منهم فاقتلهم، كما تقتل هؤلاء المشركين.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يَا أُمَّ سُلَيْمٍ، عَفْوُ الله أَوْسَعُ».
وروي في خبر آخر أن دريد بن الصمة، كان شيخًا كبيرًا في عسكر مالك بن عوف، وكان صاحب تدبير، وكان لا يبصر شيئًا ما لم ترفع حاجباه.
فقال: ما لي أسمع رغاء الإبل وثغاء الغنم وصوت الصبيان، فقالوا له: إن مالك ابن عوف أمر بإخراج الأموال، لكي يقاتل كل واحد منهم عن ماله.
فقال لهم: هلا أخبرتموني بذلك قبل الخروج.
فالرجل إذا جاءته الهزيمة متى يبالي بماله وولده؟ ولكن إذا فعلتم ذلك فاكسروا جفون سيوفكم، واحملوا حملة رجل واحد.
ففعلوا ذلك، فانهزم المسلمون، ولم يبق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا العباس بن عبد المطلب، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وعدة من الأنصار.
فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بغلته، وأخذ السيف ومضى نحو العدو، وجعل ينادي: «يَا أَصْحَابَ الشَّجَرَةِ، يَا أَصْحَابَ سُورَةِ البَقَرَةِ إِليَّ إِليَّ» فأمدّه الله تعالى بخمسة آلاف من الملائكة، ورجع إليه المسلمون، وانهزم المشركون، وأخذ المسلمون أموالهم.
وهو الذي يسمى يوم أوطاس، فنزلت هذه الآية: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ الله في مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ} فأخبر الله تعالى أن الغلبة ليست بكثرتكم، ولكن بنصرة الله تعالى، وكان ذلك من آيات الله.
ثم قال: {وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرض بِمَا رَحُبَتْ}؛ يعني: برحبتها وسعتها من خوف العدو، {ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ}؛ يعني: منهزمين لا يلوون على أحد. اهـ.

.قال الثعلبي:

{لَقَدْ نَصَرَكُمُ الله}
أيّها المؤمنون {فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ} أي مشاهدوها أماكن حرب تستوطنون فيها أنفسكم على لقاء عدوكم {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ} يعني وفي يوم حنين وهو واد بين مكة والطائف.
وقال عروة بن الزبير: هو واد إلى جنب ذي المجاز والحري، ولأنه اسم لمذكر فقد يترك إجزاؤه يراد به اسم البلدة التي هو بها، ومنه قول الشاعر:
نصروا نبيهم وشدّوا أزره ** بحنين يوم تواكل الابطال

وكانت قصة حنين على ما ذكره المفسّرون بروايات كثيرة لفّقتها ونسّقتها لتكون أقرب إلى الأفهام وأحسن [...] أن رسول الله صلى الله عليه وسلم افتتح مكة وقد بقيت عليه أيام من شهر رمضان ثم خرج متوجهًا إلى حنين لقتال هوازن وثقيف في اثني عشر الفًا، عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار وألفان من الطائف.
قال قتادة، وقال مقاتل: كانوا أحد عشر ألفًا وخمسمائة، وقال الكلبي: كانوا عشرة آلاف وكانوا يومئذ أكثر ما كانوا [...] وكان المشركون أربعة آلاف من هوازن وثقيف، وعلى هوازن ملك بن عوف النضري، وعلى ثقيف كنانة بن عبد ياليل بن عمرو بن عمير الثقفي، فلما التقى الجمعان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لن تُغلب اليوم من قلّة»، ويقال: بل قال ذلك رجل من المسلمين يقال له سلمة بن سلامة (وسمع) رسول الله صلى الله عليه وسلم كلامه، ووكلوا إلى كلمة الرجل.
قال: فاقتتلوا قتالًا شديدًا. فانهزم المشركون وخلوا من الذراري، ثم نادوا: يا حماة السوء اذكروا الفضائح، فتراجعوا وانكشف المسلمون.
وقال قتادة: وذُكر لنا أن الطلقاء (انجفلوا) يومئذ بالناس وسأل رجل البراء بن عازب: أفررتم يوم حنين؟ فقال: كانت هوازن رماة وإنّا لمّا حملنا عليهم وانكشفوا وأقبلنا على الغنائم، فاستقبلوا بالسهام فانكشف المسلمون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال الكلبي: كان حول رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ ثلاثمائة من المسلمين وانهزم سائر الناس عنهم.
وقال الآخرون: لم يبق يومئذ مع النبي صلى الله عليه وسلم غير العباس بن عبد المطلب وعلي وأيمن بن أم أيمن، وقُتل يومئذ بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وطفق رسول الله يركض بغلته نحو الكفار لا يألوا، وكانت بغلة شهباء أهداها له فروة الجدامي.
أخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا العمري، حدّثنا أحمد بن محمد، حدّثنا الحمامي، حدّثنا شريك عن أبي إسحاق، قيل للبراء: كان النبي صلى الله عليه وسلم فيمن ولى دبره يوم حنين قال: والذي لا إله إلاّ هو ما ولّى رسول الله دبره قط، لقد رأيناه وأبو سفيان بن الحرث آخذ بالركاب والعباس آخذ لجام الدابة، وهو يقول: «أنا النبي لا كذب أنا بن عبد المطلب»، قالوا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس: ناد يا معشر المهاجرين ويا معشر الأنصار وكان العباس رجلًا صويّتًا.
ويروى من شدة صوت العباس أنه أُغير يومًا على مكة فنادى: واصباحاه فأسقطت كل حامل سمعت صوته جنينها.
فجعل ينادي: يا عباد الله، يا أصحاب الشجرة، يا أصحاب سورة البقرة، وعطف المسلمون حين سمعوا صوته عطفة البقر على أولادها فقالوا: يا لبيك يا لبيك يا لبيك وجاءوا عنقًا واحدًا فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عصابة من الأنصار فقال: هل معكم غيركم؟ فقالوا: يا نبي الله لو عمدت إلى برك العماد من ذي يمن لكنّا معك، ثم أقبل المشركون فالتقوا هم والمسلمون، وتنادى الأنصار: يا معشر الأنصار أم قصرت الدعوة على بني الحرث والخزرج، فتنادوا فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على بغلته كالمتطاول إلى قتالهم فقال هذا حين حمي الوطيس، فأخذ بيده كفًّا من (الحبِّ) فرماهم وقال: شاهت الوجوه، ثم قال: انهزموا ورب الكعبة، انهزموا ورب الكعبة.
قال: فوالله مازال أمرهم مدبرًا وجدّهم كليلا حتى هزمهم الله تعالى.
قال يعلى بن عطاء: فحدثني أبناؤهم عن آبائهم أنهم قالوا: ما بقي منا أحد يومئذ إلا وامتلأت عيناه من ذلك التراب، قال يزيد بن عامر وكان في المشركين يومئذ: فانصرفنا ما بقي منّا أحد، وكأن أعيننا عميت فأنجز الله وعده وأنزل نصره وجنده فقهر المشركين ونصر المسلمين، وقال سعيد بن جبير: أمدَّ الله (المسلمين) بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين، وقال الحسن: كانوا ثمانية آلاف من الملائكة.
قال عطاء: كانوا ستة عشر ألفًا، وقال سعيد بن المسيب: حدّثني رجل كان في المشركين يوم حنين قال: لما التقينا نحن وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقفوا لنا حلب شاة، فلما كشفناهم جعلنا نسوقهم، حتى إذا انتهينا إلى صاحب البغلة الشهباء يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلقّانا رجال بيض الوجوه، حسان الوجوه فقالوا لنا: شاهت الوجوه ارجعوا، فرجعنا وركبوا أكتافنا فكانوا إياها، يعني الملائكة.
وفي الخبر أن رجلًا من بني نضر يقال له شجرة قال للمؤمنين بعد القتال: أين الخيل البلق، والرجال عليهم ثياب بيض ما كنا نراكم فيها [...]، وما كان قتلنا إلا بأيديهم فأخبروا بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «تلك الملائكة». اهـ.

.قال ابن عطية:

{لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا}
هذه مخاطبة لجميع المؤمنين يعد الله نعمه عليهم، و{مواطن} جمع موطِن بكسر الطاء، والموطِن موضع الإقامة أو الحلول لأنه أول الإقامة، والمواطن المشار إليها بدر والخندق والنضير وقريظة، ولم يصرف {مواطن} لأنه جمع ونهاية جمع، {ويوم} عطف على موضع قوله: {في مواطن} أو على لفظة بتقدير وفي يوم، فانحذف حرف الخفض، و{حنين} واد بين مكة والطائف قريب من ذي المجاز وصرف حين أريد به الموضع والمكان، ولو أريد به البقعة لم يصرف كما قال الشاعر [حسان رضي الله عنه]: [الكامل]
نصروا نبيَّهم وشدُّوا أزْرَه ** بحنينَ يومَ تَوَاكلِ الأبطالِ

وقوله: {إذ أعجبتكم كثرتكم} روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال حين رأى حملته اثني عشر ألفًا قال: «لن نغلب اليوم من قلة»، روي أن رجلًا من أصحابه قالها فأراد الله إظهار فأراد الله إظهار العجز فظهر حين فر الناس، ثم عطف القدر بنصره، وقوله: {وضاقت عليكم الأرض بما رحبت} أي بقدر ما هي رحبة واسعة لشدة الحال وصعوبتها، فما مصدرية، وقوله: {ثم وليتم مدبرين} يريد فرار الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم.